ابن الجوزي
48
صيد الخاطر
هذا بأي ذنب ؟ وينسى ما قد كان ، مما تتزلزل الأرض لبعضه . وقد يهان الشيخ في كبره ، حتى ترحمه القلوب ، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق اللّه تعالى في شبابه ، فمتى رأيت معاقبا ، فاعلم أنه لذنوب . 11 - في علماء الدنيا والآخرة تأملت التحاسد بين العلماء ، فرأيت منشأه من حب الدنيا ، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون ، كما قال عز وجل « وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا » وقال تعالى : « وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا » وكان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لجماعة من اخوانه . وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي : « أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر » . والأمر الفارق بين الفئتين : أن علماء الدنيا ، ينظرون إلى الرئاسة فيها ، ويحبون كثرة الجمع والثناء ؛ وعلماء الآخرة ، بمعزل عن ايثار ذلك ، وقد كانوا يتخوفونه ، ويرحمون من بلي به . وكان النخعي لا يستند إلى سارية . وقال علقمة « 1 » : « أكره أن يوطأ عقبي « 2 » » ، وكان بعضهم إذا جلس اليه أكثر من أربعة قام عنهم . كمثل راكب البحر ، وقد خب « 3 » ، فعنده شغل إلى أن يوقن بالنجاة ، وانما كان بعضهم يدعو لبعض ، ويستفيد منه ، لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا ، فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة . 12 - في أن تصفية الأحوال بتصفية الأعمال من أحب تصفية الأحوال « 4 » ، فليجتهد في تصفية الاعمال . قال عز وجل : « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما يروي
--> ( 1 ) علقمة النخعي تابعي جليل توفي سنة 62 وأخذ عنه إبراهيم النخعي واشتهر من قبيلة النخع جماعة ولكن إذا أطلق النخعي كان المقصود به إبراهيم ، وإذا أطلق اسم إبراهيم كان هو المقصود . ( 2 ) أي أن يمشي الناس خلفي . ( 3 ) أي اضطرب وهاج . ( 4 ) اصطلاح صوفي بمعنى ( حالات النفس ) .